| 0 التعليقات ]


الدكتور عاشور فني
يمثل الطاهر وطار بإبداعه ومواقفه استمرارا لخط متواصل في الثقافة الجزائرية لم ينقطع عير العصور. خط المواجهة والتأصيل الشعبي للفعل الثقافي. وفاة الطاهر وطار خسارة فادحة على المستوى الإنساني ولكنها تمثل نقطة اكتمال لمسار ثقافي حافل بالنسبة للأديب المبدع.
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


في كتابة الهايكو وشعرية التجربة


الدكتور عاشور فني





حين اطلعت الشاعرة "كوكو كاتو" كاتبة الهايكو اليابانية على ديواني "رجل من غبار" استرعى انتباهها طريقة توزيع مقاطع القصيدة القريبة جدا من طريقة كتابة قصائد الهايكو: ثلاث أسطر متتالية لا يتجاوز طولها 17 مقطعا (في اللغات الأجنبية)، مما يجعل "قصيدة" الهايكو تقرأ في نفس واحد. كان ذلك في مهرجان الشعر العالمي في مدينة "مدلين" الكولومبية،  في جوان 2004، وكانت "تجربة" رجل من غبار قد امتدت معي 15عاما انتهت بصدور المجموعة سنة 2003.
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

بقلم الدكتور عاشور فني







ذلك الفتى الذي يجلس وحيدا حتى ساعة متأخرة من الليل في ردهة الفندق الجبلي الصغير ليس مصابا بالأرق ولا يؤلمه رشح خريفي مبكر. إنه مدون جزائري. فهم روح عصره عبر التقنيات الجديدة وانخرط مبكرا في التجربة. أنهى دراسته الجامعية في الأدب العربي وأصابه ما أصاب جيله من الإحباط والشعور باليتم. جرب مهنا مختلفة واختار ما يناسب عوده صلب وقامته الفارهة. عيونه تشي بحزن رقيق وملامحه تؤله لدور أساسي في فلم رومانسي. رأى وهو في مدينته النائية احد زملائه في الجامعة يقدم برنامجا تلفزيونيا فذهل. كنا معا. كيف اخترقت الشاشة الفولاذية وجلست في الطرف الآخر. ثم أعاد التفكير. مادام هذا قد وصل إلى هناك، فلا شيء يمنع من أن أصل أنا أيضا. سأصل أنا أيضا.
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

لا حدود على الأرض ترسمها


غير صورتها مثلما وقُرتْ في الفؤادْ

متألقة في القتال

وناصعة في السوادْ
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

بقلم الدكتور عاشور فني











حضرت أمسية لطيفة خصصت لإطلاق رواية "سيد الخراب" للأديب كمال قرور نظمتها مؤسسة فنون وثقافة بالتعاون مع دار النشر الفتية التي يديرها الشاعر توفيق ومان وقد استمتعت بالمداخلة الافتتاحية للصديق كمال كما تابعت باهتمام مداخلات الصحفي الكاتب سعيد خطيبي الذي أدار الندوة بالاشتراك مع السيدة فوزية لارادي وأسئلة الصحافيين والأدباء الضيوف الذين حضروا تلك الجلسة. وقد ظهرت في الصفحات الأدبية بعض أصداء تلك الأمسية.






وقد كان من حظي أن ذكرت في رواية سيد الخراب كما في الأمسية المذكورة، وذلك تشريف مضاعف حظيت به من أديب مشهود له بالإبداع والمغامرة بكل معانيها النبيلة. ولأن الصداقة التي تربطني بكمال ليس موضوعا عاما فأتركها جانبا واكتفي بما أثارته هذه الأمسية لدي من خواطر أتيحت لي فرصة التعبير عن بعضها أثناء تلك الجلسة نفسها، وأود هنا ان أشير إلى جوانب تتعلق بالمؤلف، أما الرواية فهي موضوع حديث آخر.










1- كمال رجل ذو فكرة ظل وفيا لها يرعاها ويعبر عنها في كتاباته الصحفية وفي جلساته ومنشوراته العديدة. ومحتوى هذه الفكرة كما أتصوره هو أن للثقافة دورا أساسيا في الحياة الاجتماعية والسياسية لأمة من الأمم، وأن للمثقف دورا في الحياة الاجتماعية والثقافية بفضله تتحدد أهمية الثقافة في المجتمع. وكان لكمال مثل استمده من التراث العربي الإسلامي جسده الفارابي، فقد كان كمال يبدي إعجابه بهذا المفكر المبدع عبر جلساته في مقاهي العاصمة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. يضاف إلى ذلك إعجابه بالمفكر مالك بن نبي الذي دافع عن فكرة الإنسان الحضاري القادر على بناء الحضارة. ففي خضم الأصوات التي ارتفعت خلال بداية الأزمة كان صوت كمال مجلجلا: الأزمة حضارية يا ناس وهو عنوان مقال مشهور له نشرته عدة صحف آنذاك. وقد أسس في جامعة قسنطينة ناديا حمل اسم مالك بن نبي كان ينشط –كما علمت- إلى جانب نادي الاثنين الذي كان ينشطه الشاعران الراحلان عبد الله بوخالفة وفاروق اسميرة. كما أسس في بداية حياته العملية دار نشر حملت اسم الفارابي، ذلك المفكر الفذ في الثقافة العربية، وكان من حظ كاتب هذه السطور أن نشر أول مجموعاته الشعرية "زهرة الدنيا" في منتصف التسعينيات من القرن الماضي بإلحاح من الناشر، الذي تحمل إلى جانب عناء النشر وهو أمر طبيعي، مشقة التنقل من مدينة إلى أخرى وحضور الأنشطة الثقافية التي نظمت من أجل الاحتفاء بزهرة الدنيا في زمن كان السائد فيه هو خطاب الموت وأعمال القتل. وقد كانت الفكرة أقوى من الموت. انتصرت الفكرة رغم توقف دار النشر. وانتقل كمال إلى ميدان الصحافة فأسس دارا لإصدار الصحف ولم تتسع الساحة آنذاك للفكرة فتوقفت هي الأخرى وانتقل كمال إلى مجال الأعمال الحرة. وبعد عشرية كاملة من العمل والكد والتأمل والبناء عاد كمال إلى الساحة الثقافية أكثر بهاء وأطول قامة وعلى جبينه عنوان عريض: التراس، ملحمة الرجل الذي احتفى. من يكون ذلك الرجل غير كمال نفسه. وما تكون تلك الملحمة غير ملحمة الفكرة التي تنتصر على الموت وترتفع فوق مدن الإسمنت والخشب المغشوشة وتحصد الرواية جائزة مالك حداد للأديبة أحلام مستغانمي باعتبارها رواية كبيرة ولو كان لي الخيار لأضفت وفكرة فكرة كبيرة أيضا، أخذت شكل نص روائي قصير هو أقرب إلى الأساطير والحكايات المعروفة في تراث الثقافات العظيمة. وتتواصل الفكرة في مستوى آخر اهتدى إليه كمال بنقائه ومضائه إنها فكرة الجدل الهيجلي. سمعته يتحدث عن هيجل منذ مدة وقد اعتبرت ذلك منحى جديدا في تطور فكرة كمال خريج الأدب العربي بجامعة قسنطينة، استمدها من حياته الشخصية ومن تجربته العملية. فكرته التي أخذت شكلا فريدا في الحياة الثقافية والاجتماعية في الجزائر المعاصر تتجسد في منتدى المواطنة الذي أسسه ويديره بعقلية رجل ملتزم مسؤول ومعني بتطور مدينته وحيه ومساهم في حياة أمته. لم تشغله أعماله وتجارته عن فكرته ولم تفسد الشهرة والأضواء تواضعه ولم تؤثر على وضوح الرؤية لديه: وقد فصل ذلك في كتاب سماه الكتاب الأزرق، يصلح دستورا أخلاقيا للعلاقة بين المواطن الفعال والدولة الراعية. رؤية تعود بجذورها إلى آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي وللإنسان الحضاري لمالك بن نبي في بناء جدلي هيجلي تنبثق فيه الفكرة من الواقع ويتغذى الواقع من الفكرة ويتطور. وأرى أن منحى تطور تلك الفكرة قد عرف أوجه في تطور شكلي رفيع مع روايته الأخيرة سيد الخراب التي كانت محل احتفاء في مطلع هذا الموسم. فقد انتقل إلى منبع الفكر الجدلي الخاص بالحضارة الكونية في منشأه بالمغرب العربي، وليس غريبا إذن أن يكون فصل من مقدمة ابن خلدون مدار الرواية كلها.






2- وكمال رجل ذو تجربة متميزة غنية ثرة، عرف فيها لحظات النجاح والقوة كما عرف مرارة الفشل ولحظات الضعف وقد استفاد من كل ذلك في بناء شخصية قوية صقلتها المحن وزادت قسماتها بهاء. وقد عبر عن ذلك بشكل رائع عندما قال: كنت في فترة من فترات حياتي اعتبرت محاولاتي المتكررة فشلا. أما الآن فأنا اعتبرها تجارب. تجارب تغذي فرص النجاح التي أصبح كمال قادرا على ابتكارها لا انتظارها، وتغذي فكرته وتطورها. وأرى أن تجربة كمال مثال لجيل كامل من الكتاب والمثقفين جاء بعد أن رفعت الدولة يدها عن المؤسسات الثقافية التي تحول بعض مسؤوليها في فترة من فترات تاريخنا الثقافي المعاصر إلى حاجز يمنع ظهور أسماء جديدة ويشكك في التجارب الجديدة فكان لزاما على من يحمل الفكرة أن يبتدع لنفسه طريقا في البحر أو يشق منفذا في الصخر. وقد كانت تلك التجربة التي مر بها كمال محكا لصلابة عوده ورافدا يغذي خياله. ويحدثك عن رؤيته ببساطة: الواقع عندنا اغرب من أي خيال على أن تكون صاحب غربال صالح تغربل به الوقائع. غربال الوقائع هو الفكرة. فصاحب الفكرة قادر على الكتابة. وقادر على اتخاذ موقف. وقادر على المواجهة وقادر على الانتصار لفكرته، وعلى ابتداع أشكال ملائمة لتجسيدها وعلى إثراء تجربته نفسها. إن ثراء التجربة هو ما أنقذ كتابات كمال من الوقوع في ما وقع فيه كثير من المبتدئين الذين غرقوا مبكرا في سراب كافكاوي غريب بحثا عن مذاق عالمي في غياب تجربة شخصية حقيقية أو التجؤوا بسرعة إلى تاريخ لم تتح لهم فرصة فهمه واستيعاب أبعاده لاحتضانه عن اقتدار فوقعوا في التكلف أو في الاستعجال والاختصار والتلخيص أو التجؤوا إلى الإثارة، طلبا للشهرة السريعة. كمال يصدر عن تجربة إنسانية غنية تسندها فكرة قوية متأصلة في ثقافة عميقة الجذور. ذلك مصدر قوته.3- وكمال رجل ذو أسلوب خاص. كان يدبج مقالات أدبية وينشر كتابات صحفية يدافع فيها عن فكرته ويبسط فيها رؤيته في صحافة لا توفر ما يكفي من مساحة للتعبير عن أية فكرة إلا ما جاء ضمن الفكر الواحد. ثم تطورت الساحة الإعلامية والسياسية وأصبح بالإمكان التعبير عن أفكار مختلفة فدافع عن فكرته وطور أسلوب كتابته مع تطور مجالات الكتابة. وفجأة ظهرت موهبته القصصية التي طورها إلى الكتابة الروائية موسعا إياها إلى أقصى الحدود لتتسع للتعبير عما يريد. وقد رأينا أن كمال ابتكر منذ أن اختار الشكل الروائي أسلوبا خاصا به يتجاور فيه التعبير الصحفي مع التعبير الشعري وأسلوب التحقيق الصحفي مع الصياغة الرشيقة ويتجاوز فيه الواقع الخرافة ويمتزج الخيالي مع الوقائعي التسجيلي، في شكل فذ لم يسبق إليه أحد في الرواية الجزائرية. واعتقد أن كمال قد وجد أخيرا الشكل التعبيري الذي يتسع لفكرته، وهو فن السرد جامعا الأشكال السردية كلها: القصة القصيرة والرواية والخرافة والحكاية في مزيج عجيب جدير بأن يدراس في إطار البحث الأكاديمي الرصين. وطور كمال الأسلوب الروائي الذي يميزه عن روائيي جيله وكتاب عصره، وبذلك صار صوتا متميزا في الوسط الأدبي يضيف الجديد إلى الرواية العربية في الجزائر. كان ينادي: الأزمة الحضارية يا ناس ويذهب صوته هدرا في خليط الأصوات التي تعالت في بداية الأزمة. ثم جرب الصمت وجرب الحديث الخافت، ولكنه ما زال يعبر عن نفس الفكرة بأصوات عديدة، وبأشكال أكثر أناقة. فقد امتلك حضورا مميزا في الساحة الإعلامية والأدبية، كما ابتكر منابر للتعبير يلتقي فيها المثقفون والمبدعون ويتحاور فيها مع الجمهور.






كمال إذن روائي بوجه واحد يتجدد ولكن بأبعاد ثلاثة: فكري وعملي وجمالي. ذلك هو كمال الذي رأيت في الأمسية التي نظمت له بمناسبة صدور روايته الجديدة " سيد الخراب"، حاولت أن ألخص ما يمكن ملامح تجربة غير قابلة للتلخيص أصلا، وأن أجمع في ثلاثة أبعاد ما لا يمكن جمعه من أبعاد الرجل المبدع المنخرط في الحياة وفي العمل، وفي التأمل.










الدكتور عاشور فني الجزائر





العنوان مستوحى من عبارة للروائي كمال قرور: المعذرة..لي وجه واحد ولكني بثلاثة أبعاد: رجل أعمال ورجل كتابة ورجل مواطنة.
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

حـاورته / نـوارة لحـرش
عاشور فني واحد من أبرز شعراء الجزائر الذين لهم باع جميل في الشعر والكتابة والترجمة أيضا، أصدر عدة مجموعات شعرية منها "زهرة الدنيا"العام 1994 تجربته البارزة التي قدمته بقوة و جمالية إلى المشهد الشعري ، و بعدها بحوالي عشر سنوات صدرت مجموعاته التالية : "رجل من غبار"العام 2003 .، "الربيع الذي جاء قبل الأوان"العام 2004 ، و"أعراس الماء" التي كتبها باللغة الفرنسية وصدرت عن دار نشر فرنسية بمدينة مرسيليا. وفي عام 2007 وعن دار القصبة للنشر وفي إطار منشورات الجزائر عاصمة الثقافة العربية صدرت له المجموعة الخامسة والتي حملت عنوان: "هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي". وما ميز هذه المجموعة ،هي أنها تجربة أخرى مغايرة عن التجارب الشعرية السابقة التي كان يعتمد فيها الشاعر على الشعر العمودي فقط في حين جاءت نصوص هذه الأخيرة بنفس/طقس الهايكو القوي المركز الذي يعتمد على الومضة بأقل ما يمكن من كلمات و مفردات و بأكثف ما يمكن من معنى و إيحاءات. الشاعر قام أيضا بترجمة الكثير من المجموعات والكتب الأدبية إلى اللغة الفرنسية منها :"عراجين الحنين" للأخضر فلوس "معراج السنونو"لأحمد عبد الكريم،"اكتشاف العادي"، لعمار مرياش، "ما يراه القلب الحافي" لعياش يحياوي ، "سين" لمشري بن خليفة، "الأرواح الشاغرة" لعبد الحميد بن هدوقة.

الكتابة فعل حياة مستمر
**** "زهرة الدنيا" علامة بارزة في تجربتك الشعرية، كيف تنظر إليها الآن..كيف تستحضر طقسها البكر وطقوسها الأولى؟

** عاشور فني: لكل نص من نصوص (زهرة الدنيا) حياة مستقلة بذاتها.هل كانت علامة بارزة في تجربتي الشعرية؟ بل كانت مسارا تضيئه علامات الحياة.كانت مطالع القصائد تنشأ في حياتي اليومية وتستمر في النص وتنتهي في التجربة. ما زلت أتعلم مما أكتب وأكتب مما أحيا وأموت وأبعث حيا في كل لحظة كتابة. ليست زهرة الدنيا نصا موازيا للحياة بل حيوات و كينونات وعوالم متقاطعة ومتفاعلة.

**هل تعتبر زهرة الدنيا هويتك الشعرية الأبدية ، أم أنها فاتحة لهويات أخرى ،ربما أعلى؟
عاشور فني: كانت (زهرة الدنيا) مسارا خصبا متصاعدا استمر 14 سنة. كانت ظروف ا لكتابة مختلفة جدا وكذلك ظروف النشر وظروف الحياة. كان العالم مختلفا وكان ا لتحول عنيفا و جارفا وانتهى بزهرة تقف عارية في زمن القبح. كان يكفينا فخرا أن نكون شعراء مختلفين وقد كانت(زهرة الدنيا)علامة اختلاف وتميز ويكفي ذلك مجدا للمجموعة. ولكن كل مجموعة من المجموعات الثلاث اللاحقة فتحت أفق تجربة مغايرة تماما. و تكاد كل مجموعة أن تتكشف عن شاعر مختلف. هل هو اختلاف الهويات؟ أم هو اختلاف التجارب؟ ما يعنيني هو أن أظل وفيا للكتابة الشعرية. تتحدد كل هوياتي ووظائفي الاجتماعية الأخرى في ضوء هوية الكتابة الشعرية.

**
قلت أنّ التجربة الشعرية كانت بالأساس تجربة في الحياة ، كيف ذلك ؟ فسر لنا أكثر؟
عاشور فني: التجربة الشعرية أساسا مكابدة واندماج في مسار حياتي ملموس بوع ي جمالي متميز، وتجربتي الشعرية مندغمة تماما في تجربتي الحياتية بكل تفاصل يها. ليست الكتابة الشعرية ترفا زائدا بل نابعة من موقف في الحياة وعن رؤية لل عالم ورؤيا فيه.
و نقطة الالتقاء بين التجربة، هي رحلة بحث دائمة تلتقي فيها لحظة الوعي بلحظة الكتابة في مسار متواصل يشكل خطا ضوئيا تنير فيه التجربة الكتابة والكتابة الحياة: حضور جمالي للعالم في النص وحضور جميل للنص في العالم.و أخيرا ، كل تجربة تفرض نصها.
**هل يعني أن الكتابة فعل حياة ؟ هل أنت مؤمن بهذا الطرح ،أو هذا الاعتقاد؟
عاشور فني: هل الكتابة فعل حياة ؟ وهي أيضا فعل مقاومة الموت والقبح والدمار والفراغ. ولكن الكتابة أيضا فعل حياة مستمر. ولا أرى أن الكتابة موازية لحياة شفوية بسيطة يحياها الناس والكاتب أو بديلا عنها بل هما وجهان كلاهما باطن للظاهر الآخر ولا انفصام بينهما باعتبارهما تجسيدا لحقيقة واحدة: كينونة متفاعلة متحولة. قلت يوما إن القصائد هي رماد لحرائق التجربة ويمكنني أن أضيف أن التجربة هي وقود لحرائق الكتابة.

**يقول هيدغر :" الشعر هو تأسيس للكينونة بالكلام "، فماذا تقول أنت ؟ وبأي درجة هو تأسيس للكينونة بالكلام؟
عاشور فني: إن كان لي أن أقول شيئا ذا بال فسأقوله شعرا. أقرأ الفلسفة والكتب النقدية والفكرية من باب الاطلاع الضروري ولكنني لم أهتم يوما بالرد على النظريات أو مخالفتها أو تجسيدها شعرا. على النقد و الفكر والفلسفة أن يتابع الإبداع الشعري. تخصصي الأكاديمي العلمي يسمح لي بإدراك حدود أية نظرية. وليس في نيتي التحول إلى التنظير ولكنني أكتفي بالقول إن كانت لي نظرية في الكتابة فالأحرى أن أجسدها في نصوص ومساري ومسلكي وعلى النقد أن يكشفها ويضئ بها عالم الكتابة. المعرفة ضرورية في الشعر، كما أسلفت، ولكنها لا تكفي لإنتاج نص جيد.

** كيف تقرأ التجارب الشعرية الجزائرية حتى الآن؟

الجمالية التي يؤسسها الشعر عابرة للحدود والثقافات واللغات


** عاشور فني: تعجبني صيغة الجمع في سؤالك (التجارب الشعرية) في الحديث عن الشعر في الجزائر. قوة الحركة الشعرية في الجزائر تكمن في قوة التجارب الشعرية الفردية المتميزة الآن وفي تعدد الأصوات وتنوعها ولكن ضعف الحركة الشعرية يكمن في ضيق الفضاءات التي لم تتسع يوما للشعر والشعراء بقدر ما اتسعت للخطباء وحملة الخطاب الإيديولوجي المدجن. ومنذ أن أفلت الشعر من الوظيفة الإيديولوجية كان عليه أن يتحمل تبعة الخروج من بيت الطاعة. لقد امتلأت الساحة اليوم بكتاب الكرونولوجيا ومؤلفي السير ومصنفي المذكرات وأصبحت تجارة رائجة يطلبها الناشرون وتتهافت عليها وسائل الدعم الإعلامي والإشهاري وتأنس إليها الصالونات والمعارض.أما الشعر فقد مرت تلك المرحلة التي كان يعتبر فيها (الشعر تعبيرا عن روح الأمة ووجدانها) خلال فترة الحركة الوطنية وثورة التحرير أو(حاملا لهموم الناس)أو (عاملا من عوامل البناء) خلال مرحلة البناء والتشييد حين كانت المهرجانات يفتتحها محافظ الحزب بحضور السلطات وقادة الرأي مع حشد من الإعلاميين. الشعر منبوذ اليوم: تخلت عنه المؤسسات العمومية والمؤسسة الإيديولوجية وظل الشعراء فرادى يصارعون الموت ويستنجدون ولا من مغيث. تخلت المؤسسات عن دعم الشعر ونشأ كثير من الشعراء خارج الأطر الرسمية وهذا أفضل للشعر، ولكنه مكلف للشاعر الذي يعاني في حياته وفي محيطه الشخصي وفي إبداعه. لقد ترعرعت كثير من التجارب الشعرية في أوساط المقاهي في المدن الداخلية وفي العاصمة وفي الأحياء الجامعية واللقاءات الحميمة والخاصة وهنا برزت الكثير من التجارب المتميزة والمتفردة والأصوات المختلفة. ولم يستطع(تقليد) المهرجانات والمنابر الجماعية أن يستوعب هذا التعدد والتنوع. بل تنكرت حتى بعض الأسماء المعروفة لتاريخها الشعري وشهدنا إنتحارات فردية وجماعية متعددة الأشكال في صفوف الشعراء: الموت أو الصمت أو الهجرة أو تغيير المسار. كما نشهد محاولات عودة لترميم ما انهار وإصلاح ما فات: تأسيس جمعيات بأسماء الشعراء الذين تمت محاربتهم سابقا وتم دفعهم إلى الصمت أو الانتحار.الشعر ما يزال منبعا للقيم الإبداعية والجمالية الكبرى في العالم ولكل الفنون وسيظل كذلك. والتجارب الشعرية في الجزائر قادرة على استيعاب هذا البعد الكوني في الشعر. القيم الجمالية التي يؤسسها الشعر عابرة للحدود والثقافات واللغات.

**برأيك أي جيل في الجزائر قدم للشعر أكثر جماليا وفنيا؟ وتفرد في مستويات حساسياته؟
عاشور فني: فكرة الجيل غير مؤسسة. وفي الجزائر يفيدنا مسار الحركة الشعرية المعاصرة أنها تطورت عبر صراع زمر غير متجانسة استعملت مقولة الجيل كوعاء يجمع تناقضاتها ويحقق لأعضائها أهدافهم المرحلية والشخصية الضيقة إلى حين بعيدا عن أي تأسيس جمالي أو انتمائي واضح. فإذا ظهرت زمرة جديدة استخدمت نفس المصطلح (الجيل) لتحقيق أهداف أفرادها بالاستحواذ على الساحة. وأنظر الآن لمن اعتنقوا فكرة الجيل: أين هم وأين نصوصهم وتجاربهم ؟ و أنظر لمن رفضوا فكرة الجيل أصلا أين هم وأين نصوصهم وتجاربهم كذلك؟ ثم إن فكرة الجيل ارتبطت في الجزائر بمراحل سياسية ومظاهر خارجية ليس لها أي عمق ثقافي وامتدت على مدى عشريتين أو ثلاث، فهل سيستمر أنصارها في استخدام مسطرة ديكامترية يحشرون فيها شعراء كل عقد من السنوات باسم جيل جديد؟ وأين يضعون الباقين؟ ففكرة الجيل الأدبي إذن عقيمة في نظري وليست مقولة نقدية بل وسيلة إقصائية وتهميشية ضد التميز والفرادة والإبداع وضعت من قِبل الفاشلين للانتقام من التجارب المتميزة بحشرها مع حشد من الأسماء وقتل المبدع الفرد بالجماعة. وبالتالي فهي مضرة بالأدب نفسه وبالإبداع. و لكن بالمقابل هناك تطور في الرؤية الفنية لدى الشعراء فرادى عبر دواوين ومجموعات شعرية وعبر نصوص عالية وعبر مسارات فردية متميزة ومتفردة. هناك تجارب اخترقت كل الأجيال وهي ما تزال قادرة على الإضافة الإبداعية كما ظهرت أسماء في غير جيلها المزعوم بسبب مشكلات الطباعة والنشر ولا يضيرها ذلك عن مواصلة مسارها الإبداعي. وفي المقابل هناك أسماء تظهر الآن أو في المستقبل ولكنها تنتمي إلى ماض ميت ولا يمكنها أن تضيف شيئا. وكان يمكن أن يكون الجيل مفهوما نقديا له تأسس على فكرة أو على جمالية معينة في الشعر أو الفلسفة أو الفنون الأخرى.والأهم من ذلك أن تظهر تجارب إبداعية جديدة تحمل رؤى وطموحات مختلفة عن كل من سبقها ، ومن الظلم حشرها في خانة معينة لا لشيء إلا لتحقيق إستراتيجية مجموعات طامحة إلى احتلال الساحة وممارسة احتكار لم يعد ممكنا أساسا بسبب انفتاح الساحة الجزائرية على الفضاءات العربية والعالمية وبفضل ظهور قنوات اتصال جديدة أكثر فعالية من وسائل الاحتكار التقليدية التي كرست فكرة الأجيال في الساحة الجزائرية.
**في المشرق العربي وحتى في المغرب هناك تراجع واضح لقصيدة التفعيلة والشعر العمودي و اكتساح قصيدة النثر المساحات الشعرية ، لكن في الجزائر مساحة الشعر العمودي والتفعيلي هي الغالبة ، لماذا برأيك ؟

عاشور فني: القصيدة العمودية عريقة في الشعر العربي وتجد لها جذورا في الثقافة الأدبية في الجزائر أيضا وقد تربت عليها الذائقة الشعرية ولها جمهور في كل الأوطان العربية ومن كل الفئات، وهنا يكمن مصدر قوتها. فالجمهور هو صانع الشعراء. أما قصيدة التفعيلة فكانت تطورا داخليا من رحم القصيدة العمودية وحافظت على الكثير من الوشائج مع جمهور العمودية. أما قصيدة النثر فقد واجهها موقف إيديولوجي من خارج الساح ة الشعرية ما يزال مستوليا على ساحة الوعي الثقافي والفني. و يجدر التنبيه إلى أن قصيدة النثر التي أسس لها شعراء كبار مثل أدونيس وأنسي الحاج، تجد الآن لها نصيرا في الصفحات الثقافية في الصحف العربية الراقية والمواقع والمنتديات الإلكترونية وفي الفضاءات الثقافية ذات البعد العربي والدولي الداعم للحداثة، وهو ما لم يتهيأ لها في الجزائر. وتظل قصيدة النثر ذات حظوة لدى هذه الأوساط أكثر مما لها من قبول لدى جمهور الشعر. وضعف المنابر الإعلامية وضيق الفضاءات الأدبية وراء ضعف قصيدة النثر في الجزائر. لقد لاحظنا منذ عشريتين اكتساح الخطباء والإعلاميين السطحيين الساحة الأدبية في الجزائر على حساب المبدعين والشعراء والمثقفين، وها هي النتيجة الآن: كثرة الأسماء وجمود الساحة بسبب استيلاء الإيديولوجيا التي تتخفى وراء الفراغ المسمى ( نهاية الإيديولوجيا) على الساحة الإبداعية وغياب البعد المعرفي النقدي لكل ما هو ثقافي وإبداعي.
**هل هناك أسماء في المشهد الشعري الجزائري لفتت انتباهك أكثر ؟.
عاشور فني: الأسماء كثيرة جدا وليست المشكلة في الأسماء ولكن في الحركة الكلية للساحة الأدبية في بلادنا. ولكن رغم كثرة الأسماء ما تزال الساحة الأدبية والثقافية تعاني من الركود رغم أن العديد من الأسماء الأدبية موجودة الآن في مراكز اتخاذ القرار الثقافي ، في المؤسسات الثقافية والإعلامية الوطنية وفي مديريات الثقافة بالولايات، ولكن المبادرات الثقافية الحرة ما تزال حلما بعيد المنال.هذا باستثناء بعض المبادرات التي تقودها الهيئات الوطنية أو بعض الجمعيات وحتى المؤسسات الخاصة، وهو ما لا ينكره إلا جاحد. لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو انغلاق الساحة الشعرية عن قصيدة النثر في الجزائر يخفي وراءه مظاهر عديدة للانغلاق: الانغلاق على الأسماء الجديدة، واحتدام الصراع على تقلد المناصب في المؤسسات الثقافية، التي تفتح الباب للريع والإمعان في اختلاق مجالات احتكار جديدة واختلاق قضايا لا تخدم إلا مختلقيها والمنابر التي تدعمهم، بل وسعي بعض الأسماء الجديدة نفسها إلى تكرار تجارب الاحتكار الفاشلة ضد الوافدين الجدد. والأدهى والأمر أن بعض المؤسسات الثقافية التي تأسست لدعم المبدعين الجزائريين تحولت إلى البحث عن أسماء لامعة لتدعمها ثم تخلت عن كل ذلك وهي الآن تتكئ على أسماء عربية وأجنبية لامعة تستفيد معها من ريع العلاقة مع الخارج هاضمة حتى حقوق الجزائريين الذين صنعوا بريقها في الخراج بأسمائهم وإبداعاتهم. إن الإبداع العابر للحدود يرافقه أيضا مخاطر عديدة تفضي إلى نوع من الجريمة الأدبية العابرة للحدود، ونحن على أبواب عصرها وليست مسألة حقوق التأليف وقضايا السرقات الكبرى والانتحال إلا أبسط مظاهرها.

**المسافة في قصيدة التفعيلة أو العمودية غير ضرورية ربما، فهل هي ضرورية في قصيدة النثر ؟ أم أن المسافة ضرورية في كل الفنون؟

عاشور فني: المسافة كمقولة ملموسة لمفهوم الفضاء ضرورية في الشعر كما الموسيقى والفنون التشكيلية والحركية. فالتعبير الدرامي يتطلب فضاء يتسع للنقيضين وينفتح للصراع وذلك هو مصدر التوتر ومنبع المتعة في كل الفنون. و إلى جانب المسافة هناك عنصر آخر هو عنصر الزمن الذي يتجلى باعتباره أثرا إبداعيا بفعل تطور الصراع ضمن حركة النص. فإذا انتفى الفضاء والزمن سقط الفن في السكونية. والقصيدة هي وحدة تنفتح لحركة داخلية عبر فضاء وخلال زمن داخليين يشكلان معا شرطا أساسيا لإبداعيتها.

** إلى ماذا يحتاج الشعر، و إلى ماذا يحتاج الشاعر ؟
عاشور فني: يحتاج الشعر إلى الحلم والشاعر إلى الحرية. ولا أزيد.

**أعراس الماء التي صدرت بفرنسا كتبتها بلغتين مختلفتين في اللحظة ذاتها كيف حدث هذا ، هل كان هذا عن تخطيط مسبق ؟

عاشور فني: كانت تلك تجربة خاصة فرضت نفسها وأنتجت نصها. لم يكن ذلك عن سابق تخطيط ولا أدري إن كانت، كتجربة، قابلة لأن تتكرر. كنت قضيت فترة في الكتابة والترجمة وصار كل نص يستهويني في لغة أترجمه فورا إلى اللغة الأخرى وصرت أشتغل في ما يشبه الورشة المفتوحة: القراءات المتزامنة والكتابة متعددة اللغات. وقد أمكنني أن أتجاوز حدود إمكانياتي في الكتابة نفسها: خرجت لأول مرة، في نص لي، عن التفعيلة وارتميت في جماليات الماء والاحتفاء بالآني، منهمكا في أعراس اللحظة الهاربة، مبتهجا بحضور جمالي بصري للكون تتراجع فيه اللغة إلى أدنى حدودها، وتمتزج فيه الكتابة بالقراءة بالترجمة.
**ديوان "رجل من غبار" جاء كنص طويل ،فهل يمكن اعتباره بمثابة نشيد الداخل بامتياز؟
عاشور فني: نص "رجل من غبار" رافقني مدة طويلة نسبيا. كان تجربة شعرية ضمن تجربة الحياة الواسعة. هو مرحلة في نضجي الشخصي و نضجي الشعري أيضا. فيه حوار الذات مع ذاتها ومع العالم أيضا، يغيب فيه الصوت الخارجي. ولعل بداية هذه التجربة كانت مع قصيدة " اقترابات" المنشورة في زهرة الدنيا وأعتقد أنها تستمر في نصوص أخرى.

**في نصوصك تحضر ثلاثية شبه دائمة وهي تتناص فيما بينها "الصوفية الأسطورة ،والتراث" كيف تفسر هذا ؟
الشعر تجربة مكابدة
عاشور فني: أشكركِ على هذه الملاحظة. فعلا هناك شيء من ذلك : فالشعر تجربة مكابدة في الحياة اليومية و لكنني لم أتكئ على المعجم الصوفي للتعبير عنها. فتلك إستراتيجية كتاب يفتقرون إلى التجربة أصلا أو توهموا أن المعجم الصوفي ينقذ تجاربهم الشخصية أو اعتمدوا المعجم الصوفي ممالأة لوسط نقدي يعتبر النزعة الصوفية في القصيدة مظهرا من مظاهر الحداثة. لم يكن ذلك مساري. الصوفية التي أتحدث عنها ليست صفة خارجية أو مظهرا لفظيا. إنها نزعة في الحياة: التحام تام بين أبعاد الوجود الروحية والفيزيقية بين الفكر والطبيعة، بين الإبداع في القصيدة وتجربة الوجود. أما الأسطورة فهي حاضرة في خلفية النصوص، وليست موضوعا لها، أما عن التراث فلا يمكن لشاعر أن يتطور خارج ميراث لغته وثقافته، وخاصة ميراث الشعر العربي، فهو غني وخصب ومازال حيا مؤثرا في واقعنا الأدبي والثقافي. وفضلا عن ذلك اسمحي لي بأن أضيف إلى ملاحظتك عنصرا آخر أشارت إليه بعض الدراسات الأكاديمية وهو عنصر السرد، فهو أحد مكونات الشعرية في نصوصي. وأعتقد أن اللحظة الشعرية هي اللحظة التي تلتقي فيها هذه الأبعاد مجتمعة:الآني بالأبدي والروحي بالجسدي والسردي بالشعري والكوني بالشخصي، والكلي بالجزئي، فالقصيدة انفتاح على الآخر في مطلقه. هكذا أعيش عصري وأتواصل مع رموزه وأخوض صراعاته اليومية الفكرية والعملية بوعي وبفعالية.

** في كل مجموعاتك مازلت وفيا للبحور الخليلية والتفعيلة والقافية، فقط في"هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي" وهي نصوص هايكو كان هناك حضور للنثر، ألا تستحق القصيدة النثرية بعض الحب والمغامرة ؟

عاشور فني: قصيدة النثر ليست في حاجة إلى إشفاق أو إلى حب، إنها تجربة في الكتابة، تفرض نفسها حين تكتمل شروطها ويخوضها من يمتلك أدواتها. فهي تتطلب، في رأي، ما هو أقوى من الوزن والقافية، هي أيضا اشتغال على البصري والرؤيوي والحركي والتسجيلي، وتتطلب إدراج أبعاد جديدة ضمن أفق الشعرية وتلك ليست مجرد مسألة تقنية بل هي مسألة معرفية ثقافية بالأساس. وليست مسألة إرادة شخصية. وقد عشت شيئا من ذلك في تجربتي "أعراس الماء" و"هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي" ضمن رؤية مخالفة تماما.

** ما قصتك مع "خمسين ألف سنة" ؟ ما رمزيتها /دلالاتها، إنها تتكرر بوضوح في كتبك ونصوصك.
عاشور فني: هي عبارة وردت في القرآن الكريم: "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة"، تلخص في نظري فكرة نسبية الزمن : فاللحظة الآنية العابرة خالدة أيضا، تلك هي لحظة الشعر بامتياز.
في الربيع الذي جاء قبل الأوان هناك نص "الكروان السعيد" وفي هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي هناك نص "كروان بعيد" وفيه نفس المقطع الأول من الكروان السعيد ،لماذا حدث هذا ،هل تعمدت أن تقلص النص الأول لتضمه إلى نصوص الهايكو ؟
الحداثة الشعرية العربية توقفت عند حدود النقل عن المرجع الغربي متجاهلة المصدر الشرقي للحداثة الشعرية
عاشور فني: وقبل ذلك كان هناك نص بعنوان "الكروان" نشر في كتاب "زهرة الدنيا" ولكل ذلك حكاية، فقد كان المقطع الذي نشر في آخر مجموعة هو أول ما كتبت سنة 1986، وقد كتبته ليلا على هامش كتاب كنت أقرؤه عند النوم، ثم أضفت له المقطع الذي نشر في مجموعة"الربيع الذي جاء قبل الأوان"ثم ضاع مني كل ذلك،وكتب نص"الكروان" الذي نشر في "زهرة الدنيا" سنة 1994 بحثا عن النص الأول . وعثرت بعدها على المقطعين اللذين كتبتهما سنة 1986 ونشرتهما في "الربيع الذي.." سنة 2004. ولكنني ارتأيت إعادة نشر المقطع الأول في مجموعتي الأخيرة "هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي" باعتباره مقطع "هايكو" مكتملا بذاته، ولا يحتاج إلى بقية ما كتب بعده، في إعادة قراءة نقدية لتجربتي. واستطرادا أقول إنه كانت هناك نزعة في القصيدة العربية تنحو نحو التطويل والتمطيط باعتبار أن طول النفس دليل قوة الشاعر، ولم يكن بالإمكان الفكاك منها بسهولة وهي ما تزال سائدة حتى الآن. وقد كنت أحاول مقاومتها في نصوصي بالفصل بين المقاطع في القصيدة الواحدة بعلامات أضعها بين المقاطع وعيا مني بأنها منفصلة بعضها عن بعض، وفي "رجل من غبار" كانت الأمور أوضح عندي بحيث كان المقطع الواحد أشبه بنص مستقل تماما رغم أنه يندرج ضمن إطار النص العام ولا يخرج عنه رغم أنه يمكن أن يقرأ بمعزل عن المقاطع الأخرى. فالنص ينمو عبر مقاطع مستقلة ولكنها تشكل وحدته. أما بقية الاكتشاف فقد أشرت إليها باقتضاب في مقدمة المجموعة الأخيرة "هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي" ومختصرها أن جوهر الحداثة يقوم فعلا على مبدأ اقتصاد النص كما أشار إليه إدجار ألن بو في تحليله الشهير "مبدأ الشعرية" الذي أسسه على فكرة أن النص الشعري الطويل مستحيل أصلا، ولكن أهم تجسيد لذلك لم يكن قصيدة "الغراب" الشهيرة بل قصيدة تقنية الهايكو التي كانت مخرجا للشعر الأمريكي والإنجليزي عموما من الشكل الفيكتوري. غير أن الحداثة الشعرية العربية توقفت عند حدود النقل عن المرجع الغربي متجاهلة المصدر الشرقي للحداثة الشعرية مما يعطي شرعية لفكرة أن الحداثة عالمية لا غربية. وهذا نقاش لم تتسع له الساحة الشعرية في الجزائر وغرقت في تفاصيل ويوميات أغرقت القضية الكلية في التفصيل والتجزئة، والقضايا السطحية التي تملأ الفراغ بالفراغ.

** ماذا في أفقك الشعري الآن أو بعد حين ؟
عاشور فني: أشتغل منذ مدة على نص عن سنوات اللازورد ، نشرت بعضا منه تحت عنوان "أخيرا أحدثكم عن سماواته" وهناك نصوص أخرى تعبر حين تشاء في أفقه الرحب.

** هل من كلمة أخرى /أخيرة ؟
عاشور فني: كلمة أخيرة: أشكركِ على صبرك معي حتى اكتمل هذا الحديث الذي ذهب إلى عمق الأشياء وراهن الساحة الشعرية وأهنئك على حواراتك الشيقة التي تديرينها مع رموز الساحة الثقافية العربية بكل براعة.
كلمة أخرى؟:
مقطع من " أخيرا أحدثكم عن سماواته":
عادة،
تحمل الأرض أشياءها وتدور
وأعبر تلك المسافه
بين يومي وبين الخرافه
عادة ما تكون السماوات صامتة
والنشيد يفيض من القلب
إذ يسقط القلب في غيمة الحلم
أمضي إلى هدف واضح فيضيع
و تعلو السماء
وتزداد ضحكتها زرقة وكثافه

------------------------ موقع ضفاف الإبداع بالتعاون مع صحيفة "النصر"
...تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


الشاعر عاشور فني ل"الأثر" الأدبي
· التجربة الشعرية لقاء بين ما هو آني عابر وكوني مطلق
أجرى الحوار : الخير شوار

بدأ عاشور فني الكتابة الشعرية في نهاية سبعينيات القرن الماضي وانتظر سنة 1994 ليصدر عمله الأول "زهرة الدنيا" ثم حوالي عشر سنوات أخرى لترى مجموعته الثانية "رجل من غبار" النور. وفي أثناء ذلك بدأ تجربة جديدة في الثقافة العربية وهي كتابة شعر الهايكو، وكان ينشر بين الفينة والأخرى بعض النصوص بالعربية والإنكليزية والفرنسية. في الأيام القلية الماضية صدرت له مجموعة شعرية هايكوية بالفرنسية عنوانها " " فكان ذلك مناسبة لهذا الحوار
:
صدر هذا الحوار في ملحق " الأثر" الأدبي بتاريخ 17 يناير 2006

مبروك مرة أخرى صدور مجموعتك الجديدة باللغة الفرنسية ( أعراس الماء) ، فهل هي نهاية مرحلة رجل من غبار التي قلت لي سابقا بأنها ما تزال تراودك بين الفينة والأخرى؟

الساعر عاشور فني: بداية دعني أهنئكم على هذه المغامرة الفكرية الجديدة التي تخوضونها في "لأثر"، فمثل هذه التجارب المتجددة ضرورة لبعث الساحة الثقافة نحو التجدد وتعددية الآفاق الإبداعية. ويسعدني كثيرا احتفاؤكم بكل ما هو إبداعي وجديد وشامخ، في الثقافة الجزائرية المعاصرة وفي الثقافة العالمية. هذا التفتح هو سمة كل ثقافة في مراحل قوتها وعطائها وثقتها في ذاتها. فهنيئا لنا بهذا. وشكرا على الكلمات اللطيفة. في ما يخص "أعراس الماء" الذي صدر مؤخرا باللغة الفرنسية عن منشورات فيدال-أنتالم-إكس بمرسيليا، هو خلاصة تجربة جديدة، مكثفة، أعتبرها محطة أخرى في مساري الشخصي وفي تجربتي في الكتابة، تختلف جذريا عن تجربة رجل من غبار. وتكمن عناصر الاختلاف الأساسية في العلاقة بالزمن، وبالكون وعناصر تكوينه المختلفة كما تكمن في العلاقة مع الشعر ذاته ومع اللغة. ولو أخذنا في اعتبارنا عنصرا واحدا وهو الزمن لوجدنا أن التجربة الأولى "رجل من غبار" قد ظلت معي 14 سنة وهو ما أتاح لي أن أفرغ فيها كثيرا من الجهد وأن أتعمق كل جوانبها في هدوء وبنفس طويل. أما في أعراس الماء فقد كانت التجربة حادة ومفاجئة وكثيفة وسريعة إلى درجة أنني لخصتها أو تجاوزتها في ظرف ثلاثة أسابيع تقريبا. أما عن الكون الذي تنتمي إليه "أعراس الماء" فهو بكل بساطة عالم الوفرة والحضور الآني الدائم المتبدل الثابت المتلون الذي لا لون له، مصدر الحياة والموت الدائم المباغت. عالم المتناقضات كلها: عالم الماء. وكان يكفي أن تتملكني هذه الفكرة في لحظة صفاء عابرة ليتغير موقفي من أشياء كثيرة، ومنها الكتابة الشعرية نفسها. شاهدت نفسي غارقا في بحر كبير وأنا على شاطئ عادي صغير. تمنيت ساعتها لو دامت تلك اللحظة إلى الأبد، وكان ذلك مبدأ القصيدة، والباقي مجرد خلاصة لتجربة تلك اللحظة العظيمة.

- لماذا النشر بالفرنسية أولا، هل لأن هذه اللغة أكثر استيعابا لهذه التجربة من العربية، أم أن في الأمر اعتبارات أخرى؟

الشاعر عاشور فني: شكرا لهذا السؤال. سبق أن قلت أن علاقتي باللغة كانت من بين عناصر الاختلاف. ذلك أن هذه التجربة كانت فعلا باللغتين العربية والفرنسية معا. كنت يومها كمن يركب جوادين بتعبير أبوليوس في حديثه عن كتابته باللغتين الإغريقية واللاتينية. وقد كانت المقاطع الأولى فعلا باللغة العربية ثم وجد نفسي أعيد كتابة نفس المقاطع باللغة الفرنسية وهو ما استمر معي بشكل تلقائي في كل مقطع أكتبه باللغة الفرنسية أعيد كتابته باللغة العربية مباشرة، مما جعل النص أصليا في اللغتين معا. إنها تجربة فريدة، وتفسيرها بالنسبة لي شخصيا هو أنني كنت يومها أكمل تجربة سنة كاملة في ترجمة الشعر والاطلاع على التجارب والاتصال بالآخرين من مختلف الآداب واللغات، كما كنت أتهيأ للمشاركة في ملتقى دولي للشعر وفي ورشة ترجمة وكتابة. هذا التفتح الدائم والإصغاء للآخر فرض نفسه على التجربة وساهم في صياغتها بهذا الشكل. وفي غمرة الكتابة لاحظت أنني في الحقيقة أستمرئ هذا الوضع بشكل لم يسبق له مثيل، كما أنني عملت أيضا على تعميق التجربة نظرا لوعيي الكامل بخصوصيتها على كل المستويات. فالنص إذن موجود باللغتين العربية والفرنسية وهو الآن قيد الترجمة إلى اللغة الإنجليزية. أما النشر فتلك مسألة أخرى. وضعت النص تحت تصرف ناشر جزائري وعد بإصداره في طبعة مزدوجة، كان ذلك حلمي في الحقيقة. ولكن بعد سنة اعتذر الناشر لأسباب تخصه. وأثناء ذلك ظهر الناشر الفرنسي بغتة فاقترح نشر النصر الفرنسي، بشكل مبتكر، وما زال النص باللغة العربية في الانتظار.

- لجوؤك إلى الهايكو منذ سنين، هل هو ناتج عن إحساسك بحدود الكتابة الكلاسيكية أم كان رغبة في اكتشاف أراض جديدة
؟
الشاعر عاشور فني: لم ألجأ إلى الهايكو، بل كان هذا الشكل الكتابي مبثوثا في نصوصي الأولى ولم أكن أعيه بشكل كامل. وفي بداية الثمانينيات كنت أقول لصديقي العباس عبدوش إنني أكاد أعثر على القصيدة مكتوبة من تلقاء نفسها وأنني لا أفعل أكثر من أن أزيح عنها غشاوة أراها. أرى غشاوة على النص الذي أكتفي باكتشافه. كنت أرى وما زلت أن التجربة الشعرية هي تجربة صوفية بالأساس أي لقاء كامل بين ما هو آني عابر وكوني مطلق دائم. وكنت دائما وما زلت أقف ضد التوجه اللفظي المحض في الكتابة والذي ابتذل الشعر والأدب إلى درجة فاضحة لتغطية فراغ التجربة وغياب الرؤية. لا يمكن للجعجعة اللفظية أن تحل محل التجربة الشعرية. وما زلت أقف ضد لصوص اللغة الصوفية القدامى والمحدثين، الذين يوهمون الناس بعذابات الصبوة والبوح والرحيل وهم في طينهم غارقون. وقد تحول لدي هذا الموقف إلى مبدأ واضح: لا علاقة للشعر باللفظة أصلا. ثم تطور ذلك إلى نوع من البحث في التشكيل البصري للوحة ملونة بالطبيعة ولحظات الحياة اليومية، وقد تعلمت كثيرا من كتابة بول إيلوار في اللغة الفرنسية، ولم أنتبه إلى علاقة ذلك بالهايكو إلا في وقت متأخر حين صادفت بعض الكتابات النقدية عن السينما، ثم أخذت الأمر مأخذ الجد لأنه كان يحل مشكلة أساسية في كتابة الشعر: مشكلة الصورة. وهنا انتقلت إلى دراسة تراث التصويريين وعلى رأسهم إزرا باوند، الذي يقدم في النقد العربي على أنه أبو الحداثة في الشعر، دون أن توضح علاقته بالمصدر الشرقي لهذه الحداثة ألا وهو شعر الهايكو الياباني، وقد كان بعض أعضاء جماعة "سوهو" الشهيرة يوضح نقاط خلافه الفلسفية والنقدية مع زملائه بواسطة كتابة مقاطع هايكو، كما رد أحدهم بقوة على إزرا باوند نفسه متهما إياه بعدم فهم فلسفة كتابة الشعر الشرقية. لا أريد أن أثقل على القراء بالتفاصيل، ولكن أقول أن الكتابة الحديثة تتضمن شيئا من هذا الشكل الكتابي إلى هذا الحد أو ذاك. ولكن الجديد هو اتخاذ كثافة اللحظة مرتكزا للتجربة برمتها. ذلك عنصر قابل للتطوير ويمكنه أن يمضي بإنجازات القصيدة العربية قدما نحو المزيد من التطور.


-في حدود معلوماتي فأنت تكتب الهايكو بالعربية والفرنسية والإنكليزية، هل التجربة واحدة أم أن هناك تجربة داخل كل لغة؟

الشعار عاشور فني: فعلا نشرت لي بعض نصوص الهايكو في الملحق الأدبي ليومية يوميوري شيمبون اليابانية في نسختها الإنجليزية. والواضح أن اللغة الإنجليزية التي وعت أزمتها مبكرا قد انخرطت في أشكال كتابية جديدة تنزع نحو اليومي والنثري وتحاول إعادة اكتشاف الشعري في ما هو عادي ويومي، وطورت لذلك أساليب تعبير وتطورت معها ذائقة القراء وأساليب العمل، فاللغة الإنجليزية الآن مهيأة بما يكفي لخوض الأشكال الأكثر غرابة في الكتابة واللغة الفرنسية كذلك. أما اللغة الشعرية العربية فقد أخذت اتجاهين أساسيين في العقود الأخيرة: اتجاه يبحث عن الحداثة لدى المتصوفة وفي أدراج التراث وهو في اعتقادي بحث مشروع ولكن طمس ملامح الشعرية في اللغة العربية الحديثة، وأما الاتجاه الثاني فقد نحا منحى متعاليا جدا، لم يعد معه ممكنا أن يوجد الشعر إلا في القضايا الكبرى ذات الخطورة العظمى. وكلا الاتجاهين يجد دعما لدى المؤسسات الرسمية والشعبية ذات العلاقة بالشعر، والتي تكيف ذوق الجمهور. وقد ابتذل الاتجاهان معا من قبل جهات غير ثقافية وجدت فيهما طريقة للترويج لبضاعتها غير الأدبية، وخلقت لهما جمهورا رهيبا لا يقبل الحوار إلا من زاوية ضيقة جدا لا علاقة لها بالثقافة. في ما يتعلق بتجربتي أعترف أن تجربة الكتابة بلغات أخرى مفيدة جدة، ودلتني على نقاط ضعفي في الكتابة بلغتي العربية وكان ذلك مصدر إثراء لتجربتي. كما سمح لي ذلك بمعرفة صدى كتابتي لدى الآخرين في ثقافات أخرى، وأعترف هنا أيضا أن جودة النص تفرض نفسها في أية لغة كانت، وأن للثقافة العربية مكانة طيبة عند كثير من الشعوب وأن المطلوب هو الانفتاح على تلك الشعوب والثقافات لمعرفتها والتعريف بثقافتنا لديها.

- كيف ترى قصيدة الهايكو في اللغة العربية، وهل ترى أن مثل هذه التجارب بإمكانه إخراج القصيدة العربية من مأزقها؟
للهايكو الآن حضور عالمي وفي لغات عديدة يكتبون الهايكو ويعلمونه للأطفال في المدارس باعتباره فنا تعبيريا رفيعا، وتنظم ملتقيات ومهرجانات للهايكو عبر العالم. ولكن لا يوجد أي حضور للغة العربية، بل إن الشائع لدى هذه الأوساط هو أن اللغة العربية غير قادرة على الإبداع في هذا الشكل التعبيري بسبب تقاليدها الشعرية الخاصة. ولا أريد أن أدخل هذا النقاش الآن ولكن أقول أن للمبدعين طريقتهم في ابتكار طرق التعبير الخاصة بهم ولا يمكن للهايكو أن يحل مشكلة ولكن بإمكانه أن يفيد في تطوير التجارب القائمة هنا وهناك. ومن التجارب التي اطلعت عليها أشكال تعبيرية قصيرة جدا قائمة على السطر الواحد أو الجملة الواحدة، وهي محاولات لدى شعراء عرب يريدون الخروج من شكل التعبير الذي فرضته الذائقة العامة الممجدة للخطاب الطويل الدسم، الحداثي أو التقليدي على السواء. هناك تجارب متفرقة لكتابة الهايكو، اطلعت منها على تجربتين لكل من محمد الأسعد، مترجم كتاب الأستاذ كينيث ياسودا عن فن الهايكو وتجربة أخرى لشاعر فلسطيني، ولا أعتقد أن ذلك يحل مشكلة ما ولكنه انفتاح جديد، ولو متأخر، على إحدى التجارب العالمية التي تعتبر منبع الحداثة الشعرية الغربية بالأساس ولا شك هذا تصحيح ضروري للنظرة السائدة والتي لا قبلة لها إلا الغرب.


- كثيرة هي الكتابات التي تحتفي بالماء في متننا الأدبي، فما هي خصوصية تجربتك "المائية"؟
الشاعر عاشور فني: تناول الشعراء الماء باعتباره موضوعا مستقلا أو باعتبار رمزيته، وهذا موجود في الشعر والنثر. ما أراه في "أعراس الماء" يختلف كثيرا عن ذلك. أعراس الماء رؤيا يتجلى فيها الخير العميم والاكتفاء والحضور الناعم للحياة، ويصبح الماء الذي لا لون له منبعا لما لانهاية له من الرؤى والصور والتشكيلات البصرية والذهنية. فزرقة البحر تصب في زرقة السماء في شلال صاعد نحو أعلا الجبل، وزرقة البحر تنسكب أيضا في زرقة المساء في عتمة الليل مرورا نحو الفجر. وتحت صفحة البحر آلاف الصفحات الصاعدة من أعماق داكنة تسكن البحر، هذا هو العالم الذي يظهر في البشر وتتجلى فيه عروس البحر بشاشة على الوجوه. فالماء رؤيا للكون وليس موضوعا للكتابة.

وماذا بعد هذه التجربة؟
تجارب أخرى سيتم الإعلان عنها في حينها. علمتني تجربة رجل من غبار أن أتريث قبل الإعلان عن أي عمل. فللتجربة قواعدها وشروطها التي ينبغي أن تكتمل وتنضج في هدوء وتصدر في سكينة. ولذلك أكتفي بالقول أن أعراس الماء هي تجربة أخرى في الكتابة والنشر والعرض مختلفة تماما، بينت إمكانية تجاوز رداءة ظروف النشر الحالية، كما بينت أيضا تفاهة الرأي القائل بانتهاء دور الشعر. الشعر لا زمن له وله كل الأزمنة. وله ناشروه قارئوه وكاتبوه ونقاده والعاملون له أيضا، فلا يكفي أن "نطبع" الكتاب ونتركه في الرف ثم نقول أن الشعر لا قارئ له. لنشر الشعر شروط ينبغي العمل على توفيرها. وعندئذ سيتوفر ما يكفي من نصوص منشورة للحكم. وإذا كان النص الروائي، يقاس بعدد القراء وبالإقبال الجماهيري، فإن نوعية النص الشعري تقاس بمدى تأثيره في النصوص الأخرى ومدى إبداعيته، حتى ولو لم يكن له قراء غير الشعراء والكتاب أنفسهم. فالشعر يظل منبع الرؤى ومصدر إلهام المبدعين.

ومتى نقرأ "أعراس الماء" باللغة العربية؟
الشاعر عاشور فني : قريبا إن شاء الله
صدر هذا الحوار في ملحق " الأثر" الأدبي بتاريخ 17 يناير 2006
...تابع القراءة